المرأة التي نسيت أن تعيش لـ ميريديث أدلر
حالما بدأ شخير “فيكتور”، انغمست في شاشة هاتفي المتوهجة.
في أغلب الليالي، ألعب سوليتير. أحيانًا، أختار لعبة بلاكجاك أو تلك اللعبة التي تمكّنك من الرهان على أحصنة خيالية بأسماء مثل “السيرك المتوهج” و”الخردل الرطب”. أنغمس في ألعاب بأموال حقيقية على هاتفي لساعات.
اشترى “فيكتور” لنا سريرًا قابلًا للتعديل. يحب الجلوس باستقامة بينما يصحح المقالات ويغفو وأصابعه تطفو فوق لوحة المفاتيح بينما تميل نظارته لأسفل على أنفه.
عادةً، أغفو برقبتي معوجة بزاوية غير مريحة وهذا يجعلني متألمة وعكرة المزاج في اليوم التالي. تخفف قلة نومي من حدة الواقع حتى تندمج لحظات الواقع بمشاهد الأحلام.
عندما أغمض عينيّ، أرى البطاقات مفرودة في لعبة سوليتير.
يوم الخميس، كنت في الحافلة عائدة من العمل إلى المنزل، وهرعت فتاة بشعر داكن في الممر، تاركة خلفها رائحة دخان السجائر والغاردينيا. نظرت خلف كتفها بينما سقط شيء من حقيبتها. وقع على قدميّ وحملته بينما أُغلقت الأبواب. اختفت الفتاة بالفعل.
أسقطت كشكول رسمها. مجلد بحلزون معدنيّ، وغلاف من الشمواه الأرجوانية. فتحت الكشكول.
كانت الرسوم لوحات شخصية كاريكاتيرية وبسيطة لا أكثر، ولكل منها تعليق مكتوب بحروف كبيرة أسفل الصفحة.
أرى رجلًا بدأ شعره بالتساقط منحنيًا على مقعد حانة، وقد كوّر يده ليهمس إلى مشروبه.
“الرجل الذي باح بأسراره للويسكي”.
أرى امرأة أكبر سنًا اتخذت الطيور من شعرها عشًا، ترتدي معطفًا أكبر من جسدها النحيل، بعينين لامعتين كعملتين نقديتين.
“المرأة التي تحتفظ بكل شيء”.
واصلت قلب الصفحات ثم توقفت فجأة. رأيت نفسي.
معطفي الرمادي المهترئ وشعري المجعد في ذيل حصان فوضوي. وجهي منحني فوق هاتفي، الذي أتشبث به، بينما يطفو أحد أصابعي فوق الشاشة.
“المرأة التي نسيت أن تعيش”.
أشعر بانقلاب معدتي، كأنني تعثرت بإحدى درجات سلم مألوف. أغلقت كشكول الرسم ووضعته في حقيبتي. سأعيده إلى الفتاة إن رأيتها مجددًا. في تلك الليلة فزت بـ٣٠٠ دولار وخسرت ٧٠٠. حاولت تحقيق التعادل لوقت طويل حتى شعرت بخدر في يدي. سقط هاتفي إلى الأرض، ولم أشغل نفسي باستعادته.
في الصباح، رأيت كشكول الرسم مفتوحاً على الطاولة. لا أذكر أني لمسته.
تغيّرت لوحتي. رأيت فيها عينيّ مفتوحتين وشفتيّ مفترقتين كأنني على وشك الاحتجاج. في يدي النازفة، رأيت هاتفي بشاشة مكسورة.
“المرأة التي تخسر كل شيء”.
في اليوم التالي، في الحافلة وفي العمل وبعد العشاء، كنت أتفقد كشكول الرسم. أصبحت عادتي السرية الجديدة التي حلت محل سوليتير. بالكاد نظرت إلى هاتفي. رأيت اللوحات تتغير بمرور اليوم.
كُسر كأس شارب الويسكي. نزفت أذنه دمًا. أخرج محفظته ليدفع، لكنه وجدها فارغة.
اختفت الطيور من شعر المرأة، وتركتها ملفوفة في معطف من الريش الأسود. جلست على مقعد حديقة وبكت. بدأت أسنانها بالسقوط.
بدا وجهي المرسوم محمومًا ومشوهًا. ضغطت يديّ على رأسي في كرب. انهمرت الدموع على خدي.
“المرأة التي أدركت بعد فوات الأوان”.
بينما كنا نستعد للنوم، قال “فيكتور” إنني أبدو مختلفة اليوم. يقول إنني “أكثر حضورًا” كأنها هدية قررت تقديمها له.
لكن ماذا لو لم يكن من المفترض أن أكون هنا؟
لم أخبره عن الكشكول. في تلك الليلة، خلدت إلى النوم في الحال.
يوم السبت، استيقظت قبل الفجر.
عاد كشكول الرسم إلى مكانه على الطاولة بجواري. اليوم، ظهرت مرسومة على رصيف محطة قطار، رأسي منحنية لأسفل وعيناي مفتوحتان. وخلفي، بدا “فيكتور” مشوشًا.
“المرأة التي ترحل بعيدًا”.
كانت السماء مظلمة عندما تركت المنزل وكشكول الرسم معي.
كانت حافلة عطلة نهاية الأسبوع شبه فارغة. جلس الركاب متباعدين ونظروا عبر النوافذ في صمت. بدوا باهتين كأنهم صور مجسمة.
جلست في المقعد الذي وجدت فيه كشكول الرسم وفتحت الكشكول في انتظار التعليمات، لكن الصفحة التي تحتوي رسمتي فارغة.
حينها شعرت بتموج الأوراق تحت يدي، كأنها مياه ضحلة. ظهرت خطوط جديدة: أنا منكبة على هاتفي بعينين مجوفتين، لكن هذه المرة أصبح الهاتف مرآة. وحيث يجب أن يكون انعكاسي، رأيت ظلال خطوط متقاطعة سوداء.
“المرأة التي أضاعت نفسها بالرهان”.
تومض الأضواء وتنطلق الحافلة في شارع يقود إلى محطة القطار. أقلب إلى الصفحة التالية. تتجعد أصابعي. ينتظرني قلم في جيب معطفي مع أنني لا أذكر وضعه فيه. أبدأ بالرسم.
أرسم امرأة تسير في حديقة حيي، ووجهها مرفوع إلى السحب. أرسم لها شعراً مموجاً مثل شعري، وأحاول رسم وجهي بعيني الصغيرتين ونمشي وأنفي المعقوف قليلاً.
وأسفل اللوحة أكتب: “المرأة التي اختارت العودة”.
تستدير الحافلة. عندما أعود إلى البيت، أجد “فيكتور” ما زال نائمًا.
أمسح كل الألعاب من هاتفي وأضعه في حقيبتي. أعدّ الشاي وأرشفه ساخنًا.
في الخارج، بدأت النافذة تتوهج بضوء النهار. الأشجار مضاءة بلون ذهبي، وأغصانها تعج بالطيور. يرقد كشكول الرسم مفتوحاً على الطاولة في انتظاري.
أقلبه إلى صفحة جديدة وأضع يدي على الورقة وأبدأ من جديد. أرسم نفسي جالسة هنا إلى مائدة المطبخ، مستيقظة والشاي بجواري. عندما أنتهي، أبدي إعجابي بلوحتي.
وأسفل اللوحة أكتب: “المرأة التي تكتب قصتها”.
أغلق كشكول الرسم. يوم الاثنين، سأتركه في الحافلة. كشكول الرسم يعرف إلى أين ينتمي.
ترجمة: رضوى أشرف


الترجمة والقصة تسعة من عشرة تسلم يدك